كتب/ وائل القباطي
صحيفة أخبار عدن 2009
مطلع العام 71م غادر منصور علي العماد كرش إلى الشمال، بعد أن قضى 3 سنوات متنقلا بين سجون الضالع وعدن ولحج، قبلها وتحديدا في 68 تم منع العماد من ممارسة عملة المعتاد: نقل الركاب على متن اللاندروفر التي يملكها على خط كرش الراهدة، مرجعا السبب إلى انخرطه في العمل الوطني في صفوف جبهة التحرير، حتى عام 82 كان سائق اللاندروفر قد امضى 10سنوات وراء الحدود دون أن يتمكن من لقاء زوجته وطفليه، يتحدث الرجل عن الفترة الأكثر مرارة في حياته: عشت 10 سنوات ولم أرى زوجتي وطفلي كنت أتألم وابكي وعندما اذهب إلى الحدود واقف جنب براميل الشريحة أشوف أخي على الجانب الأخر ولكن لا احد منا يستطيع أن يحدث الأخر بكلمة.
على جانبي الطريق بعد تجاوز الراهدة بعدة كيلو مترات، هبوطاً من تعز في طريقك إلى عدن، تلمح منظر في غاية البؤس والشقاء، هذه هي الشريجة أشار(سامي) رفيق الرحلة، أخذت أنقل بصري بين الصنادق المتهالكة المرتصة على جانبي الطريق، لم أستطع تمييز إلى أي عقد زمني تنتمي، لم يعد لبراميل الشريجة أثر يذكر ناهيك عن أماكن الحجز والمعاملات وثكنات الجنود باستثناء بقايا جدار طلي بألوان علم جمهورية الوحدة، حاولت جاهداً حينها تخيل طوابير المنتظرين بلهفة إشارة الموافقة على تجاوز الحدود، أملاً في لقاء حبيب أو قريب أو البحث عن فرصة عمل، لكن واقع حال الشريجة كان يغني عن الخيال وعن تساولأت عدة، لا تقل أجابتها مرارة عن تعاسة حال الشريجة اليوم.
الحدود بين دارين
قبل الوحدة كانت منطقة كرش تتبع محافظة لحج، وتبعد 90 كيلومتراً عن عاصمة المحافظة، بينما تتبع الشريجة محافظة تعز وتبعد 50 كيلومتراً عن تعز المدينة، حالياً ألحقت المنطقتين بمديرية القبيطة بمحافظة لحج، مثلت منطقتي الشريجة وكرش محوري نشاط المناضلين ضد الإمامة والاستعمار، بعد قيام الثورة والاستقلال ورغم صغر المنطقتين إلا أن جغرافيتهما لعبت دورا هاماً في جعلهما الهاجس الأول لنظامي دولتي الشمال والجنوب، طوال فترات الصراع السياسي بين الشطرين قبل قيام الوحدة اليمنية في عام 90م، بعدها فقدت هاتان المنطقتين محوريتهما وسقطتا من حسبان دولة الوحدة.
أحاط النظام الشطري الشريجة بعشرات المواقع العسكرية في الجبال والتلال المحيطة بالمنطقة، فيما كانت كرش تتكئ على معسكر لبوزة الذي يختبئ خلف تلال المنطقة وعلى بعد عدة كليو مترات منه تقع تربض العند الأسطورة العسكرية، أكثر من شاهد على أهمية المنطقة الحدودية- الملتهبة- لنظامي الشطرين، اللذان لما يترك أياً منهما أي بصمة في صالح سكان هذه التضاريس الجبلية التي عاشت الخوف والرعب لعقود من الزمن.
المنطقة الوسطى المجانين
تعد قبيلة العثامنة أحد أكبر القبائل في منطقة الشريجة ولها فروع عديدة في كرش أيضا فلم تشطر الحدود الأرض فقط ولكن الإنسان ايضا.
الشيخ عبدالقوي مقبل العثماني شيخ مشايخ الشريجة يقول: كانت كرش تابعة للجنوب ونحن في الشريجة تابعين للشمال ورغم أننا أصهور وأجوار، لكن النظام الشطري أصر على تجزئتنا حيث كان النظام يعتبرنا شماليين وهم جنوبيين رغم أننا من ذات المنطقة وتربطنا صلة قرابة.
كانت أذا تمت مصهورية كان يقوم واحد وسيط أو معروف يتزوج باسم الشخص الذي خارج الحدود (نيابة عن الزوج الغائب) وبعدين يلتقوا عند الحدود ويسلمه له العروسة والعقد.
وبالنسبة لوضع المنطقة فقد كانت تسمى الحكومة الوسطى للمجانين، فالناس الذين يتم تزفيرهم من السجون في الجنوب والذين لا يسمح لهم باجتياز الحدود، إذا ما فقدت عليهم وثائقهم كان يتم سجنهم أو إرسالهم إلى الشريجة ولا يقبلهم النظام في الشمال، بالإضافة إلى المسافرين يتم منعهم من الذهاب إلى الشمال أو الجنوب فيضطروا إلى الإقامة بالمنطقة.
يضيف: علاقتنا مع الجنوب كان كل واحد ماسك بندقه إذا خرجت قارشه (حيوان) إلى الحدود لا يمكن إعادته إلا بالقوة أو بواسطة وزراء شئون الوحدة، وأحيانا كنا نقوم بالاشتباك معهم ولا يوجد تواصل أو تفاهم لأنه إذا تواصلت معهم الله يخارجك.
مخفيون قسريا
يتذكر معظم قاطني المناطق الحدودية وتحديدا الشريجة وكرش الكثير المأسي والقصص المؤلمة، لكنها قطعا ليست أكثر من إيلاما وفظاعة من تلك المأساة الإنسانية التي عاشتها ومازالت أسر المختفين القسريين الذين عبثت بمصائرهم أجهزة النظام الشطري البوليسية، أسواء ما في الأمر أن ملف هؤلاء وعددهم 14 مختفي في كرش والشريجة مازال مفتوحا ومعاناة ذويهم متواصلة رغم مرور عقدين من الزمن على قيام الوحدة.
عاشت كرش فترة ازدهار بعض الشيء في ظل النظام الاشتراكي تفتقدها اليوم، لكنها تبقى الأفضل حالاً إذا ما قارناها بتوأمها الشريجة، كانت المنطقة التي يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 36.000 ألف نسمة، ويحدثك أهالها باعتزاز عن مدرسة قميح- البدو الرحل- والتي أفتتحها الرئيس سالمين مطلع السبعينات، لكنها اليوم مجرد أطلال، وعلى ما يبدو أن الجهات المعنية ستقف متفرجة لحظة انهيار المدرسة على رؤوس الطلاب ربما، بينما تمثل الوحدة السكنية- التي شيدها الحزب وصرفها لقياداته في المنطقة- بمبانيها المتواضعة ذات الطابق الواحد، بقايا ملامح مدينة مر فيها الجميع، لكنها ظلت شاهد عيان على تحولات كبرى حولتها إلى هامش لا يلتفت إليه أحد.
زوار الليل
يعتقد عارف عبدالملك من أبناء كرش انه بسبب كون المنطقة حدودية فكثيرا ما كانت تشهد صدامات كبيرة وكان يتم تنقية الأشخاص تحت مسمى عميل وامبريالي، وظلت الأتهامات تلاحقهم وزج بالكثير منهم في السجون بتهم ملفقة وظلوا يقبعون هناك حتى تحققت الوحدة، وهناك أشخاص أختفوا ولم يعرف مصيرهم حتى اللحظة، لم نلتقي بأهلنا إلا في عام 90م بعد تحقيق الوحدة ذهب الخوف والتقى الأهل وتم الإفراج عن الناس الذين زج بهم في السجون.
وعن تلك الفترة يقول عارف: كان يتم أخذك من منزلك دون ان يدري أحد شيء عنك، لكن الأمور انفرجت بعد الوحدة، كثير من الأسر التي أضطرت إلى اجتياز الحدود إلى شمال الوطن لم تكن تستطيع الالتقاء بأقاربها، ظلت المنطقة وأبنائها محرومة وقدرها ان تتحمل الويلات فقط.
الزواج عبر وكيل
يحدثك معاصرون من أهالي المنطقة عن قصص ومأسي كثيرة شهدتها المنطقة أبان التشطير يستحيل ان تستصيغها بسهولة، يتذكرون كيف تزوج صالح مقبل أسعد بعقدين، كان ذلك في عام 88م عندما رغب الرجل بالزواج من منطقة هيجة المر بكرش (جنوب) وكونه من أبناء القبيطة (شمال) فقد أصر النظامين على ان يتم العقد لديه، لتنتهي معاناة الرجل بالزواج بعقدين احدهما صادر من الشمال والأخر من الجنوب، لكن هذه الحكاية ليست أكثر مأساوية من تلك التي عاشها (س. ع) من أبناء كرش الذي نزح إلى الشمال تاركا زوجته وأطفاله في كرش، فكانت الوسيلة والوحيدة هي ذهاب الزوجة إلى الجبال المحادده لرعي الأغنام وهناك بعيدا عن أعين حرس الحدود، تكون لحظات معدودة التي يلتم فيها شمل الأسرة الذي شطرتها الحروب.
ستظل كرش ومثلها الشريجة ذاكرة للتشطير تزخر بتفاصيل وحكايات لشماليون وجنوبيون كانوا على مشارف الحدود شمالا وجنوبا يتجرعون يومياً ويلات التشطير، فيما كانت الوحدة حلمهم الأوحد أملاً بغد مختلف وحياة كريمة، لا يخفي البعض امتعاضه من الوضع اليوم بعد عقدين من الزمن على قيامها.
::::::::::::::: ::::::::::::::::::::::::::::::::::::
18 حالة أختفاء قسري في كرش والشريجة
يتذكر معظم قاطني المناطق الحدودية وتحديدا الشريجة وكرش الكثير المأسي والقصص المؤلمة/ لكنها قطعا ليست أكثر من إيلاما وفظاعة من تلك المأساة الإنسانية التي عاشتها ومازالت أسر المختفين العسكريين الذين عبثت بمصائرهم أجهزة النظام الشطري بوليسية، أسواء مافي الأمر ان ملف هؤلاء وعددهم 18 مختفي في كرش والشريجة مازال مفتوحا ومعاناة ذويهم متواصلة رغم مرور عقدين من الزمن على قيام الوحدة.
نزح عبدالصفي سعيد محمد من كرش قبل قيام ثورة 26سبتبمر وانخرط في الجيش عن طريق عبدالقوي حاميم ووصل إلى رتبة نقيب عام 68م كان مدير مشروع مياه تعز (الكمب) وكانت الأسرة في فقر، وفي 64 تزعم مجاميع فدائية كان المسؤول العسكري لجبهة التحرير في كرش وتزعم مجموعة فدائية نفذت عمليات في عدن.
مطلع 68م كان في لقاء في الشريجة مع رفاقه، فتم وضع كمين له في الشريجة وتم اختطافه إلى سجن الحوطة ثم إلى الضالع، 14 مايو 69م أفرج عنه وبقى تحت الإقامة الجبرية في لحج وعدن وفي 70م تم أخذه إلى سجن المنصورة.
يتذكر نجله بديع عام 70م حيث زاره برفقة جده قالوا لنا في الزيارة القادمة احضروا ملابس، وعندما أحضرناها قالوا لنا المذكور هرب إلى شمال الوطن ومن يومها لم نجد له أثر.
يتذكر بديع: طلعنا نتابع وكانت هناك مراسلات وتوجيهات وبعد متابعة مريرة كانت نصطدم بالمذكور غير موجود لدينا، عملنا مذكرات إلى النائب العام.
يعتقد ان الاعتقال بسبب كونه قيادي في جبهة التحرير ويتذكر ان عمليات المداهمة للمنزل بدعوى ان المرتزقة كانوا يزوروهم ويقدموا لهم النقود.
لكن يتسأل الرجل ان معظم من في القائمة مواطنين بسطاء ليس لهم ذنب، محمد علي صالح صاحب صندقة اتهموه انه يقوم بنقل مبالغ للمرتزقة.
يقول: ظل جدي ينفق علينا ووضع الأسرة كان صعب جدا، وظلت الوالدة تسد رمقها عن طريق تربية الحيوانات، نزلنا إلى الجنوب بعد.
ويضيف: حاولت ان أخرج مرتب لكن من يعطي مرتب للعميل أواخر 85م استمارة دائرة رعاية أسر الشهداء ومناضلين الثورة اليمنية 900 ريال شهريا بتعاون الصماتي، رفعت إلى 2000 ريال بعد الوحدة، وحالياً 5000ريال شهريا.
ويستطرد بمرارة: الناس يريدوا يعرفون قبور أهلهم وذويهم على الأقل لنقرا الفاتحة على أرواحهم، نتمنى ان يتم عمل نصب تذكري لهؤلاء المفقودين.
في 2006م عندما تم تسوية أوضاع الشهداء والمناضلين طلب منهم إحضار حكم انحصار ورثة، وقد طالبت المحاكمة (شهادة وفاة) أو استصدار حكم وفاة يقول أي إنسان في وضع طبيعي لايمكن ان يطلب من المحكمة ان تحكم ان أبوه متوفي، أنا أشتي اثبت ان أبي ميت، لكن كنا بين ان نلقى الإعانة أو استصدار القرار وقدمنا الدعوة، وتمت الإجراءات الى ان أصدروا لنا الحكم.
ويؤكد بديع: أخذوا كل الوثائق والأوسمة والصور حتى ولم يتحركوا لنا شيء. نحن كأناس علينا من ويلات التشطير واصبح يحدونا الأمل في ان تتم معالجة ملف المختفين العسكريين كما تم معالجة بقية الملفات على الأقل يتم اصدر شهادات وفاة للأسر ومنها التعويض اللازم جراء معانتها خلال السنوات التي مضت وحرمانها من ذويها وأهلها واعترافا بالدور الذي قدمه هؤلاء في شمال الوطن وجنوبه.
يتمنى الرجل من ذوي ضحايا النظام الشطري في المناطق الجنوبية والشرقية التداعي لإنشاء جمعية للمفقودين.
كشف بأسماء المفقودين من أبناء كرش والشريجة
1- عبدالصفي سعيد محمد العامري
2- عبد صالح علي غالب
3- الشيخ/ علي عماد حميدة
4- الشيخ/ محمد صالح الغدر
5- شائف محمد الغدر
6- عبدالرب أحمد حسن الصوفي
7- محمد علي صالح القباطي
8- عبده سعيد مقبل تموبل
9- حسن رضوان الصوفي
10- أحمد مانع حسن
11- محمد أحمد ثابت الخدومي
12- أحمد قحطان دماج
13- عبدالله محمد علي القباطي
14- ناجي محمد القيلي
= = = = = = = = = =
هربوا من بطش الحزب الى الشمال ومنه فضلوا اللجوء إلى السعودية التي اعادتهم إلى الجنوب في 94م قبل ان يستقر بهم المقام أخيراً
جنوبيون في الراهدة
في الجهة الشمالية من مدينة الراهدة بمحاذاة خط عدن- تعز العام ترتص عشرات المنازل ذات الطابق الواحد في الغالب، معظمها على ما يبدوا ان فترة بنائها متقاربة جدا تعود إلى الثمانينات، كنت قد عزمت على زيارة المنطقة المعروفة جيدا بحارة الجنوبيين منذ حدثني رفيق رحلتي سامي عنها من سكان الراهدة، معتقدا ان الاسم هو مبعث الإشارة فقط، قبل ان يتأكد لي لاحقا وبعد مقابلة عدد من قاطنيها ان الأمر يتعدى ذلك بكثير.
كان الشيخ/ علي محمد تواب الصبيحي من أبناء المشاريج بطورالباحة ضمن 40 شخص نزحوا من مناطقهم في مارس عام 71م بقيادة الشيخ/ عبدالقوي محمد شاهر، يومها بحسب الصبيحي كان الحزب بقيادة الجبهة القومية في غبة- شدة- القسوة ضد من وصفهم بالامبراليين، يقول: "كانوا اللي يمسكوه ماعاد يخرجش وماكان في حل أمامنا أعلبهم من أعضاء جبهة التجرير غلا ان نترك البلاد ونهرب إلى الشمال.
يتذكر الشيخ الستيني هذه التفاصيل المريرة جيدا ويواصل: "اتجهنا نحن أصحاب الصبيحة والمشاريج وكرش إلى الراهدة، بينما أتجه أصحاب العارة والشقب وامصريح إلى موزع، وكان الشيخ عبدالقوي شاهر هو المسؤول عن المجموعتين بحسب الاتفاق لكي يتم ايصال أي دعم أو مساعدات للمجموعتين، وبعدها بأسبوع من نزحونا واستقبالنا من قبل الحكومة هنا قام الحزب بطرد أسرنا وتزفيرها إلى منطقة القبيطة للضغط علينا لكي نعود وهو مارفضناه اطلاقا وأقمنا نحن وأسرنا في منطقة الجاشعية القريبة من الراهدة.
قبل ان تقوم الحكومة لاحقا بفتح معسكر في منطقة السخفة وبعد لجوء عدد من القيادات العسكرية الجنوبية إلى الشمال والذين من بينهم حسين عثمان عشال واخرون وتم وضعنا جميعا في المعسكر لعدة أشهر.
وبعدها حولنا إلى منطقة أسمها الهاملي في الحديدة، في 72م قالوا كل مسؤول يأخذ أصحابه ويذهب إلى منطقته لمقاومة الحزب، فذهبنا مع عبدالقوي شاهر إلى الشريجة ومسكنا مواقع وفتحنا جبهة وعشال فتح جبهة في قعطبة، أستمرت المعركة 20 يوم والجيش اليمني من خلفنا، اضطر الجيش ان يدخل في المعركة نتيجة ضرب مواقعه، فأجبت القبائل والمشائخ ونزلوا في منطقة الراهدة ومسكوا مواقع واستمرت المعركة لشهر ونصف فتم ايقاف اطلاق النار بعد ان جاءت لجنة من الجامعة العربية.
بعد خروجنا بأسبوع تم ترحيل أسرنا وطردها إلى منطقة القبيطة فجلسنا في الجاشعية القريبة من الراهدة، وبنينا ديم لتسكين أسرنا، وبعد انتهاء الحرب تم فتح معسكر في الحديدة واخر في تعز واخر في الجند، تم استيعابنا فيها.
78م عندما تحسنت العلاقات بين الحكومتين طالب الشطر الجنوبي بنا فرفضنا العودة وكان دعمنا ورواتبنا تأتي من السعودية فقررنا الذهاب اليها، فتم ترحيلها إلى نجران (معسكر عشال الجند) و(معسكر جعبل بن حسين الجمعة) أتفقوا السعودية واليمن الجنوبي في 81م طالبوا بتسليمنا، فقالوا لهم نحن بانخيرهم لين العودة والبقاء فطلبوا منهم ان ينقلوهم بعيدا عن حدود اليمن، فنقلونا إلى تبوك مع أسرنا، وفي عام 94م أثناء الحرب قامت السعودية بترحيلنا وطلبوا منا ان ننضم إلى صف الجنوب فخرجنا في باخرة من منطقة صنبا وعددنا 717 شخص تركنا أسرنا هناك ووصلنا إلى المكلا وشاركنا في الحرب مع الجنوبيين وكان معنا سلاح خفيف، تمترسنا بين المحافظة الرابعة والخامسة، وعندما تم السيطرة على عدن والمكلا رفضنا ان نسلم كانت السعودية توصلنا بالغذاء عن طريق الشروره أسبوعين وبعدها جلسنا 3 أشهر في الربع الخالي رفضوا يسموا لنا بالدخول وكان عددنا قد وصل إلى 15.000 بعد ان انضم معنا الاشتراكيين.
فتم تشكيل لجنة رئاسية أبلغتنا بأن نسلم أو نعود من حيث جئنا أو نستعد للقتال، فأختروا الأخير، فعادت اللجنة مرة أخرى كان قائدنا حيدر بن صالح الهبيلي: نشتي نرجع إلى مناطقنا وتعود لنا أملاكنا.
في الثمانينات تم بناء المنازل مايقارب 100 أسرة مازلنا متربطين باهلنا في مناطقنا وهذا بفضل الوحدة.
الوضع الآن أفضل من المراحل السابقة لانريد ان نكون مثل العراق او افغانستان ، اخترناها لانها منطقة هادئة بعيدة عن السوق وقد قمنا بشراء هذه الأراضي بمبالغ رمزية وكانت القصبة الارض بـ 300 ريال مطلع الثمانينات.
= = = = == = = = = = = = = = = =
العميد علي عبده حنش قائد حرس الحدود قطاع الراهدة يتذكر..
أدرنا حرب باردة على الحدود
في عام 72م التحق الشيخ/ علي حنش بالقوات المسلحة للجمهورية العربية اليمنية، وبعد سنوات وتحديدا في عام م كان الرجل قد تنقل بين لواء المجد والجيش الشعبي والاحتياط العام قبل تعيينه قائد لحرس الحدود في قطاع الراهدة المحادد لمنطقة كرش والذي يتولى محمية تامين وحماية منفذ الشريجة والمناطق المجاورة له في منطقة مثلت بعد استراتيجي لدولتي الشطرين كان كفيلا بأن يشعل حرب باردة على الحدود كما يضفها علي حنش ولكنها بين كرش والشريجة ليس إلا.
كانت قوات علي حنش تتمركز على الجبال المشرفة على الحدود، يقول الرجل: كنا نتمركز في جبل الحمام، خصلة، القاهر، حماله، المقبوبة، وادي السودان، شيغان، وغيرها من المواقع على الجانب الآخر كان الشطر الجنوبي يتمركز بشكل أكثر كثافة ناهيك عن معسكر لبوزة والعند المتاخمين لمنطقة كرش الحدودية الجنوبية، يؤكد الرجل: "كان لديهم –الشطر الجنوبي- جهاز استخبارات عسكري قوي نحنا كنا متساهلين بعض الشيء ونتعامل بشكل جيد مع المواطنين لكن من جانبهم كانت تحدث الكثير من الاعتداءات والماسي التي يتعرضون لها" ملخصا: "كانوا متشددين زيارة.
يتذكر حنش بحسرة بشاعة ووحشية الأعمال التي قال ان الطرف الأخر يقف وراءها ومنها انفجار احد الألغام التي كان يقوم بزراعتها رجال الاستخبارات في الجنوب وراء الحدود والذي اودى بحياة العقيد محمد رزق في منطقة حمالة، يقول : "كانوا يتسللون ليلا ويقومون بزراعة الالغام فنتفاجى بها صباح ونقوم بنزعها" كما لا ينفي الرجل ان نشاطا استخباراتي متبادل كان كل طرف يقوم به في منطقة الأخر عدة ضرورة عسكرية لافتا الى انهم كانوا أقل توجسا من الطرف الأخر الذي كان مجرد الشك بشخص ما كفيل بانها حياته، ويحكي موقف مماثل حدث في لقاء لجان الوحدة حيث كان ورفاقه يعانون كثيرا من تعنت أحد ضباط الشطر الأخر، وقد أوعز إليه مدير جهاز الأمن السياسي عبدالقوي ردمان بان يتظاهر بأنه يعرف الرجل ويستدرجه في حديث جانبي وهو الدور الذي أتقنه وتغنى فيه، وفي اليوم التالي عندما اجتمعنا كان صاحبنا غير موجود ولم نسمع عنه شيء بعدها قال له حنش كمن يؤكد المصير المحتوم للضابط الذي لمجرد ان ساورت رفاقه الضنون.. أختفي إلى الأبد.
ويرجع الرجل ظاهرة الاختفاء القسري التي تفشت في المنطقة وتحديدا كرش إلى الوحشية التي كان يتعامل بها الأمن مستدلا باختفاء وقتل عدد من مشائخ لمناطق الوسطى على يد الجهاز الدموي، الذي يقول ان أسواء ممارسته تجلت بعد أحداث يناير حيث تقاتل الرفاق على مشارف الحدود، يقول كان اتباع علي ناصر "الزمرة" متمترسين في منطقة العلفقي وإتباع البيض "الطغمة" في كرش وحدثت بينهم اقتتال دموي لكن أسوا من ذلك ان معظم من نجو منه لقوا حتفهم على يد المليشيا التي كانت تترصدهم على الحدود، وقبل الوصول إلى أراضي الشمال الذي مثل طوق نجاة الكثيرين يومها.
الى ذلك يستهجن الرجل التشديد الذي كان قائم حينها، يقول: "كان هناك أخوه وأصهور في القرى المجاورة لكن لا احد منهم يستطيع زيارة الاخر أو حتى مجرد التحدث اليه لكي لا يلفت نظر الأمن" مع ذلك لم يخفي الرجل كثيرا إعجابه بشخصية الشيخ عبدالقوي محمد شاهر الذي قال انه كان ضد السياسات التشطيرية ووقف بماله ورجاله ضد الحكم القمعي الذي كانت تمارسه الأجهزة البوليسية في الشطر الجنوبي.
وكغيره من أبناء الشعب الذين عايشوا ويلات ومرارة التشطير انخرط الرجل في لجان الوحدة التي قال انها حلم كل الشرفاء من أبناء الوطن ولا يمكن ان يمسها أحد من الشمال او الجنوب بسوء، مؤكدا بأن التشطير انتهى إلى الأبد قالها بثقة ويقين كبيرين.
= = = = = = = = = = = = = =
جنوبين وشماليين في مقبرة الشهداء
بمحاذاة خط عدن تعز من الجهة اليمنى وفي منطقة حماله التي تتوسط منطقتي الراهدة والشريجة تربض على إحدى التلال مقبرة الشهداء، حيث ترقد رفاه شهداء معركة عام 72 التي اندلعت على الحدود بين الشطرين الشمالي والجنوبي قبل إن تتدخل الجامعة العربية وتوقف إطلاق النار.
ويروي الشيخ/ علي محمد تواب الصبيحي أن الـ400 شخص من أبناء مناطق الصبيحة والمشاريج وكرش والذين نزحوا إلى الراهدة، مطلع العام 71م بقيادة الشيخ/ عبدالقوي محمد شاهر، نتيجة للمضايقات التي تعرضوا لها من قبل النظام في الجنوب حينها والذي كان شديد القسوة ضد من يصفهم بالامبرياليين- من أعضاء جبهة التحرير- الذين لم يكن أمامهم خيار سوء اللجوء إلى الشمال.
ويواصل تم استقبالنا من قبل المواطنين والحكومة في الشمال وتجنيدنا وتسليحنا ومن ثم تم توزيعنا على المناطق الحدودية وتحديدا كرش والشريجة للاقتصاص من الحزب الاشتراكي، فذهبنا مع عبدالقوي شاهر إلى الشريجة ومسكنا مواقع وفتحنا جبهة في الشريجة، وعندما بدأت المواجهات لم يجد الجيش في الشمال حينها خيار غير خوض الحرب بعد أن تم استهداف مواقعه من قبل الجيش الجنوبي وأستمرت المعركة 20 يوم، بعد ان انضم ألينا مجموعة من القبائل والمشائخ الذين نزلوا في منطقة الراهدة ومسكوا مواقع واستمرت المعركة لشهر ونصف قبل ان يتم إيقاف إطلاق النار بعد ان جاءت لجنة من الجامعة العربية.
كما يتذكر علي حنش- قائد حرس الحدود في الفترة اللاحقة- أن مسلحين قبليين يقدر عددهم بــ 500 مقاتل قدموا بقيادة كلا من مجاهد أبو شوارب وعبد الله بن حسين الأحمر وعلي مقصع للقتال في صفوف الجيش والقوات التي يقودها الشيخ عبد القوي شاهر مشكلين تحالف من شماليين وجنوبين، قبائل وجنود مجسدين اللحمة اليمنية في أزهى صورها مع ذلك فأن الحرب التي خاضوها يومها لم تحدث تغيير يذكر في مجرى التاريخ لكنها تركت أثرا وحيدا مقبرة شهداء أخرى لم يعد يذكرها أو يعرفها أحد ربما لأنها ليست شبيهة بمقبرة شهداء الدرجة الأولى في باب اليمن بصنعاء.
تعليقات
إرسال تعليق