قصص انسانية.. مقهورات في سجن المنصورة بعدن

يضم السجن المركزي لمحافظة عدن قسماً للنساء وآخر للاحداث (ذكوراً فقط) بالاضافة إلى قسم الرجال.
النساء في 3 عنابر، تقطنها حالياً 31 سجينة، 22 يمنية و9 صوماليات. ويزار قسم النساء بواسطة عناصر من الشرطة النسائية، تتولى الأشراف على القسم وحل مشاكل السجينات بالاضافة إلى الإيواء والافراج.
تتسع قائمة الممنوعات من الدخول إلى قسم النساء، لتشمل أشياء قد لا تخطر على بال، حيث يعد العنب أحد الممنوعات بالاضافة إلى ملاعق الأكل وادوات التجميل. قبل عام من الآن حاولت إحدى السجينات ايذاء نفسها بقطعة مرآة صغيرة كانت تحتفظ بها بين ملابسها، ومنذ ذلك الحين والمرآة أحد الممنوعات أيضاً، مصادر مطلعة أكدت لــ«النداء» حصول اعتداءات بالضرب من سجينات على بعض الجنود، الذين يمنع دخولهم حالياً تحت أي مبرر، خصوصاً بعد أن تم تعيين مديرة للقسم مؤخراً.
تقرير وزيرة حقوق الانسان التي زارت السجن أواخر مايو هذا العام، أكد عدم أهلية مباني السجن وقدمها، لكن سجينات أكدن لــ«النداء» أنه تم نقلهن مؤخراً إلى جزء تم إعادة تأهيله وأن العنابر بحالة جيدة، وتشكو سجينات قسم النساء من رداءة الاطعمة التي تقدم لهن، حيث أكدن أنهن لا يتناولن معظم الطعام الذي يعده سجناء في مطبخ البحث. يضم قسم النساء زنزانة انفرادية لاحتجاز السجينات اللائي قد يدخلن في مشاجرات بعضهن البعض.

يوجد في قسم النساء 3 سجينات على ذمة حقوق خاصة، ومحكومتان بالاعدام، بالاضافة إلى سجينات في قضايا مخلة بالشرف آداب، ومثلهن تعاطي الكحول (سكر)، بينما تتوزع بقية السجينات على مختلف القضايا الاخرى، وتعد آمنة السجنية على ذمة دية الدولة من أقدم السجينات بالاضافة إلى سجينة أخرى محكومة بالاعدام.

 ****

فاطمة التهامية التي تورطت في «هكبة» عدنية


في مطلع العام تورطت فاطمة غالب في الدخول بـــ«هكبة»!.
تسكن في دار سعد منذ عدة سنوات. وكانت قدمت من الحديدة إلى عدن منتصف التسعينات. تزوجت وانجبت أربعة أطفال أكبرهم في الـــ11، وأصغرهم في الثانية.
«الهكبة» هي التعبير العدني لـــ«الجمعية». وقد اتفقت فاطمة مع جيرانها على الدخول في هكبة، على أن يساهم كل مشارك في الجمعية بعشرة آلاف شهرياً، ويذهب المبلغ المحصل للمشاركين العشرين بحسب الترتيب. كانت محظوظة إذ حلت أولاً، وقد تسلمت أول مبلغ تحصل من المشاركين. لكن الحظ لم يحالفها طويلاً، فقد اضطرت إلى دخول المستشفى بعيد أيام من هؤلاء على «الهكبة»، وهناك أمضت شهرين قبل أن يقرر الأطباء اخضاعها لعملية قيصرية لإخراج الجنين الذي في رحمها. في أيامها «العيبة» تلك تخلى زوجها عنها، وتكفلت والدتها المسنة برعاية أطفالها. ضاعت الهكبة في نفقات العلاج والعملية القيصرية ومصاريف الأطفال وايجار البيت.
وعندما غادرت المستشفى كانت معدمة تماماً، بدون عائد، وبدون عمل، وتنتظرها «هكبة» من طراز مختلف. كانت فاطمة عاجزة تماماً عن الوفاء بالتزامها الشهري لجيرانها. وقد تقدمت إحدى المشاركات في «الهكبة» إلى الشرطة بشكوى ضدها. ولحق بالمشاركة الأولى بقية الجيران.
والحال أن فاطمة غادرت المستشفى إلى قسم شرطة الشيخ عثمان، ثم إلى البحث الجنائي، فمحكمة الشيخ عثمان، قبل أن يستقر بها المقام في سجن المنصورة منذ مارس الماضي. هناك التقيت امرأة يائسة ألقي بها في السجن لأنها غير قادرة على الوفاء بديونها.
قالت: «قالوا لي: لما تسددي الفلوس باتخرجي، ما فيش معي حد، من فين باسدد الفلوس؟». مأساة فاطمة مركبة، فقد طلقها زوجها، وأخذ أبناءها الأربعة، حارماً إياها من الأمومة. قالت: حرام عليه، شلهم، ما يجيبهمش لي أشوفهم».
بحسب المتورطة في «هكبة» فإن القاضي ألزم طليقها بأن يمكِّن أطفالها من زيارتها أسبوعياً، لكن «الطليق» لا يجد نفسه ملزماً حيال أمومتها، وقد عزم، على ما يبدو، على كبت فيض أمومتها. قالت: «مقهورة أنا على بنتي، عمرها 7 سنوت، لا أعرف ليش شلهم (تقصد مطلقها) عند الناس».
خضعت فاطمة لمحاكمة سريعة، وتقول إن القاضي لم يكلف محامياً بالدفاع عنها أثناء نظر القضية التي استغرقت 4 جلسات.
قالت إنها لم تتقدم بدعوى إعسار إلى القاضي المختص، لأنها لا تجد من يعينها على ذلك.
المحقق أن فاطمة الثلاثينية في غنى عن التقدم بدعوى إعسار، فالقانون لا يجيز سجنها، وكذلك المواثيق الانسانية الدولية، وليس عادلاً أن تبقى في السجن يوماً إضافياً، وعلى النيابة المسارعة إلى اتخاذ الاجراءات لتمكينها من احتضان أطفالها صباح العيد، حينها سيتاح لها التفريج عن كبتها بغيض مشاعر أمومتها التي «هكبتها» طوال 7 أشهر.
 ****
آمنة أبو بكر: ما فيش حد يزورني، وأنا معسرة...ليش ما يخرجوني؟


تحظى اللاجئة الصومالية آمنة أبو بكر بتعاطف رفيقاتها من نزيلات سجن المنصورة في عدن. لم لا؟ فالمسكينة تقبع منذ 3 سنوات في السجن بسبب حكم من محكمة الشيخ عثمان، قضى بحبسها سنة ونصف، وألزمها سداد دية للدولة!
والحاصل أن آمنة اتصلت بالشرطة للإبلاغ عن وليدتها التي توفيت فور قدومها إلى دنيا «البساتين»، المنطقة العدنية التي يقطنها اللاجئون الصوماليون الفارون من جحيم الاقتتال الوحشي في الصومال.
اتهمت آمنة بقتل الوليدة، ولم تتمكن من تأمين حماية قانونية نفسها خلال المحاكمة، علماً بأن زوجها كان قد غادر اليمن إلى السعودية، كما يفعل الكثيرون من الشباب الصوماليين الذين يتخذون من اليمن ممراً مؤقتاً إلى السعودية ودول خليجية وغربية.
كانت آمنة تعمل في خدمة أسر في الشيخ عثمان، وتقطن مع شقيقتها التي فضلت العودة إلى جحيم النار الصومالية بدلاً من البقاء في دنيا «البساتين» حيث الفاقة والألم والعذاب اليومي.
تمكنتُ السبت الماضي من الدخول إلى أحد أقسام السجن للقاء السجينات، بموافقة كريمة من إدارة السجن، وعندما وقفت في مواجهة عديد السجينات، لاحظت عمق تعاطفهن المسكينة «آمنة». إذْ تحمسن بشدة لأن أبدأ عملي الصحفي معها.
«ضبحت... ما فيش معي حد يزورني»، قالت آمنة، وقد أدركت أنني أول شخص يقدم لزيارتها من خارج عالمها الجديد، عالم الوحشة وفقدان اليقين.
كانت في الـــ17 من عمرها حين وقعت الواقعة قبل أكثر من 3 سنوات. تقول إن الجنين خرج ميتاً، وعندما وصل أفراد الأمن كانت وحدها ماتزال. قرَّر المحققون أن اللاجئة المعدمة تخلصت من جنينها بعد وضعها. ربما! لكنني لم أجد في حوزتها ملف قضيتها لأتحقق من روايتها.
تتحدث آمنة فيما ابتهالات رفيقاتها المتأسيات عليها تتناغم مع صوتها المسبوخ بلكنة عدنية تعلمتها داخل السجن، كانت تدعو لها بالفرج في الشهر المبارك.
تتذكر آمنة أن القاضي الابتدائي طمأنها فور انتهائه من النطق بالحكم، بأنها ستخرج بعد انتهاء مدة حبسها، فالدية مطلوبة للدولة، وهي في حكم المعسر.
لا حماية من أي نوع توفرت لآمنة. اللاجئة التي تحمل بطاقة من مفوضية اللاجئين في اليمن، حظيت بزيارة وحيدة من أحد موظفي مكتب المفوضية بعدن أثناء محاكمتها. المفوضية كلفت أحد المحامين بالترافع عنها، لكنه -حسب آمنة- لم يحضر أغلب الجلسات، بما فيها جلسة النطق بالحكم.
آمنة معسرة لا ريب. «قالوا لي في المحكمة إني معسرة»، أكدت. وبصوت ممرور أضافت: «كل مرة يقولوا لي أن الفلوس (تقصد الدية) حق الحكومة، ورفعنا اسمك، وبانخرجك... «ما فيش فايدة»، قالت لــ«النداء».
مضى نحو عامين على انتهاء مدة حبسها القانونية. لكنها تجهل الكثير عن قضيتها، وعن وضعها القانوني. وهي تبرمت: «لي 3 سنين في السجن، ومش عارفة كم يشتوا فلوس... ليش ما يخرجوني».
«النداء» تضع سؤال اللاجئة المعدمة الوحيدة على طاولة النائب العام، آملة أن يبادر، كما عُهِد منه، إلى الرد على السؤال عبر توجيهات فورية بإنهاء محنتها.

****
ضمانة حضورية تمنع «أمواج» من مغادرة السجن


تركت «أمواج عبده» مقعد الدراسة قبل سنوات، لم تسمح الظروف المادية لفتاة يتيمة تعتمد على حوالات الاخ الاكبر (مغترب) بمواصلة الدراسة. كان عليها أن تبحث عن مصدر دخل لها، وقد حالفها الحظ واستأجرت محل اتصالات بــــ30000 ريال شهرياً. مرت عدة أشهر، تعرضت عبرها «أمواج» لحادث مروري أقعدها الفراش مما اضطرها إلى بيع آلة التصوير بموافقة المالك. لم تكن تدرك أن ذلك سيقودها إلى السجن. تقول: «قمت ببيع آل التصوير بمعرفة المالك، كانت معطلة أصلاً، وعندما قررت اعادة المحل اتفقنا على أن أسدد قيمة آلة التصوير». عادت «أمواج» إثر ذلك إلى ممارسة حياتها الطبيعية، لكنها فوجئت بعد أسبوعين (فبراير الماضي) بأمر حضور إلى قسم شرطة المنصورة. تقول: «ذهبت لتسوية قضية بيع الآلة وحلها ودياً كما عرفت. في الشرطة طلبوا مني أن أوقع على ملف ما خلونيش أقرأ أي حاجة، على أساس أنه حل للمشكلة»: لم يحقق معها في قسم الشرطة ورحلت في اليوم نفسه إلى البحث، وبعد 23 يوماً نقلت من هناك إلى سجن المنصورة، وأفرج عنها بعد 15 يوم بضمانة حضورية.
لما يقارب شهرين ظلت «أمواج» تتردد على محكمة المنصورة، عين لها أخاها المغترب محامياً كبيراً، ومع ذلك حرصت على الحضور بنفسها، كانت تأمل حل المشكلة ودياً، لكن القاضي حكم بحبسها 6 أشهر مع وقف التنفيذ، وألزمها بدفع مبلغ 150000 ريال قيمة آلة التصوير، بالاضافة إلى 10000 ريال مخاسير المحاماة. «كنت فرحانة بالحكم وأنه ما فيش سجن وروحت»، تقول، وتنفي بشدة علمها أن عليها سداد المبلغ خلال أسبوع أوتقاد إلى السجن. كانت أيضاً على خلاف مع محاميها الذي أرسل أحد المتدربين للترافع عنه في القضية.
أسبوع فقط، عادت «أمواج» بعد ذلك للمرة الثانية إلى سجن المنصورة، كان ذلك أواخر مايو، واليوم وبعد 3 أشهر تفكر «أمواج» في كيفية تقبل المجتمع لها كعازبة خريجة سجون، والأهم من ذلك أن قضية خيانة أمانة بــــ60000 ريال رفعت ضدها ولا تعلم شيء عن تفاصيلها، تقول «طلب مني القاضي ضمانة حضورية»، تتمنى من الله الحصول عليها للخروج من السجن والبحث عن حل لمشكلتها بالتعاون مع أخيها، حيث تشعر أنها اثقلت عليه كثيراً.

تعليقات