جعار.. دولة اللجان الشعبية

شعارات القاعدة في الشوارع والمرافق الحكومية وغياب تام للامن والنيابة والقضاء

بعد مغادرتنا مدينة زنجبار المدمرة والمنفلتة أمنيا اتجهنا صوب مدينة جعار 30 كم، تجاوزنا نقطة تفتيش عسكرية اكتفى جنودها الذين لم تتجاوز اعمارهم 18 عاما، بالاشارة لنا بالعبور بينما كان عدد من الجنود ينامون في خيمة مكشوفة مجاورة للطريق كانت تلك النقطة العسكرية الوحيدة بينما تتعاقب اكثر من 5 نقاط تفتيش جميعها للجان الشعبية الحاضرة بقوة في المدينة.
خلال زيارتنا كانت الجرافات تعمل على شق وسفلتة طريق جعار – زنجبار، في السوق العام بشيء من الانضباط في نقاط التفتيش وحركة اعتيادية ليسأل عن سبب التصوير والجهة التي نتبعها احدهم لكنه اعتذر لنا بلطف عند إبراز بطائقنا الصحفية وإخباره اننا سنزور رئيس اللجان علي السيد بحسب نصيحة مرافقي وهو احد ابناء المدينة حيث تبين لنا لاحقا ان الجميع في جعار منضبط تحت سلطة دولة اللجان الشعبية فقط.

ملف أعده: وائل القباطي


اللجان الشعبية تقوم بمهمة الامن والنيابة والقضاء
على مشارف مدينة زنجبار بعد تجاوز الجسر الواقع في مدخل المدينة تنعطف يسارا باتجاه مدينة جعار التي تبعد عن عاصمة المحافظة زنجبار (16) كيلو مترا فقط، لكن نظرا لوعورة الطريق، قطعنا المسافة بأكثر من نصف ساعة، كون معظم أجزاء الطريق ترابية ويجري العمل على تاهيلها.
كانت اول نقطة عسكرية صادفناها في طريقنا إلى مدينة جعار، مكونة من 5 جنود بعضهم لم يتجاوز عمره الـ 18 عاما، لحظة وصولنا صباحا كان بعض الجنود مازالوا يغطون في نوم عميق امام ثكنتهم واحدهم اتخذ من سطح عربة الطقم العسكري الوحيد سرير للنوم، اكتفى الجندي اليافع المنتصب جوار برميل النقطة بشميزه ذو الاازرار المفتوحة، بالاشارة لنا بالعبور دون اكتراث، حيث اكد لنا مرافقنا ان وجود الجيش شكلي فقط فيما تتحمل اللجان الشعبية كافة المسؤوليات الأمنية.
بمقابل نقطتين عسكريتين فقط يفرض مسلحو اللجان الشعبية أكثر من 30 نقطة تفتيش في مداخل ووسط مدينتي زنجبار وجعار، حيث تقوم اللجان الشعبية بمهام حفظ الامن وحل المشكلات بين المواطنين وضبط المطلوبين، لتسليمهم للاجهزة الأمنية في محافظة عدن، نتيجة انعدام أي تواجد امني وعدم مباشرة الاجهزة الامنية والنيابة العامة والقضاء عملها في محافظة أبين حتى لحظة كتابة هذا الملف.
بدأنا التوغل في المدينة، كانت حركة السيارات متوسطة و50 في المائة من المحلات على جانبي الطريق مفتوحة وهناك حركة طبيعية للمواطنين وعند وصولنا إلى سوق جعار في تمام الساعة الثامنة صباحا كان مكتظا بالباعة والمتسوقين وكذا الدراجات النارية، لحظتها انزاحت الكثير من التساؤلات كانت قبل ذلك تتزاحم في راسي بالإضافة إلى صور مرعبة لفيديوهات الإعدام والذبح وقطع الأيدي والصلب التي مارسها تنظيم القاعدة في جعار، والتي وصلت حد فرض التنظيم اسم " وقار" لكنه سرعان ما امتحى، باستثناء بعض الشعارات التي كتب عليها " لا إله إلا الله" مازالت في جدران بعض تقاطعات الشوارع وبعض المرافق الحكومية.
الكلدي: الوضع لم يعد يحتمل السكوت
بحسب د. محمود الكلدي – مدير عام مديرية خنفر فان الجانب الامني مازال غير متواجد حتى لحظتها، يقول: لا يوجد في مديرية خنفر مركز شرطة تتوفر فيه القوة الامنية التي يمكن ان نطلق عليها قوة امنية، هناك مدير للامن ومعه 3 افراد من اسرته ولا يوجد غير ذلك.
 تحدث المسؤول الاول في مديرية خنفر معنا بجرأة غير مسبوقة، مؤكدا تفضيله العودة الى قاعة المحاضرات كون الوضع لم يعد يحتمل السكوت، واضاف الكلدي الذي قابلناه امام مبنى المديرية قبل وصوله اليه مشيا على الاقدام: اللجان الشعبية تتحمل مسؤولية حفظ الامن فوق ما هو مقرر لها وتحل محل الاجهزة الامنية كما تقوم بحل القضايا بين المواطنين ومساعدة السلطة المحلية وردع المخالفين في معظم القضايا منها البناء العشوائي وتوزيع مياه السيول.
يشكو الكلدي من صعوبات كثيرة تواجهها السلطة المحلية في الجانب الخدماتي كالمياه والكهرباء والتربية والتعليم، فالمديرية مازالت دون نيابة ولا محكمة ولا شيء يذكر يمكن ان يطلق عليه اجهزة الدولة في المديرية وصرفت تعويضات للمواطنين في جعار وهناك ايضا طابور بانتظار التعويضات وسوف يبدأ الصرف خلال الفترة القادمة المشكلة في المركز وزير الداخلية لا يريد ان يتعاون وفروع الوزارات الاخرى المعنية لا تريد ان تتعاون ولا تستطيع توفير ابسط الاشياء إلا عبر مكتب الوزارة في صنعاء.
مدير الامن يدوام بمفرده تحت حراسة الجيش
على مشارف مدينة جعار تشاركنا دهشة الفرح فلم يكن يخطر في بالنا أن المدينة نجت بأعجوبة من الدمار كانت منازل المواطنين قليلة الأضرار باستثناء 3 منازل فقط دمرت بعض أجزائها وطالتها القذائف وفندق في مدخل المدينة يقال ان عناصر القاعدة اتخذوه مقرا لهم، عدا ذلك كانت بعض المرافق الحكومية خاوية على عروشها حيث طال النهب كل شيء فيها حتى الأبواب والنوافذ، لكن جعار عادت الحياة إليها والحركة أسدلت الستار على مشاهد الخراب.
اول سؤال تبادرت بطرحه وانا اتجول في شوارع المدينة التي ما زالت بعض شعارات انصار الشريعة لم تمحى من التقاطعات وبعض المرافق الحكومية كونها تحتوي عبارة لا اله الا الله تساءلت عن الحوادث والجرائم واعمال الفوضى في ظل غياب الاجهزة الأمنية لكن اجابات المواطنين كانت مفاجئة، الجميع يشيد بحالة الامن والاستقرار التى وفرتها اللجان الشعبية.
فرغم مرور أكثر من عام على انتهاء الحرب، وهزيمة القاعدة لمدينتي زنجبار وجعار بمحافظة أبين إلا أن الاجهزة الامنية لم تباشر عملها حتى لحظتها، تاركة اللجان الشعبية تشغل وظيفتها نتيجة الفراغ الأمني الذي تعيشه المحافظة.
هذا هو حال مراكز الشرطة في محافظة ابين، مبان مدمرة خاوية على عروشها بعد ان نهبت بالكامل خلال الحرب مع القاعدة، حيث لم تشرع وزارة الداخلية بعد بتنفيذ عملية ترميم وتأهيل لمراكز الشرط وأدارات الأمن ناهيك عن تزويدها بالآليات والعتاد والذخيرة.
وتحمل الجهات الامنية بمحافظة أبين قيادة وزارة الداخلية مسئولية عدم انضباط القوة الامنية ومباشرتها العمل، ومماطلتها في توفير المرافق الامنية بمحافظة ابين، وهو ما زاد من مخاوف المواطنين من كارثة اخرى قادمة في ظل الفراغ الامني المتعمد.
الشظايا مازالت تسكن راس سمير
في مبنى مديرية خنفر اعترضنا سمير عبدالله صالح 31 عاما، كان الشاب الثلاثيني يحمل ملفا مثقلا بالاورق والمذكرات والتقارير الطبية، وقف امام الكاميرا كاشفا عن اثار عمليات جراحية للشظايا في راسه وقدمه، منذ اصابته في 5 مايو العام الماضي خلال ضربة جوية استهدفت حيا سكنيا وسط  جعار.
تحدث سمير بحرقة شديدة، شاكيا اهمال السلطة المحلية في المحافظة للجرحى وتعاملها وفق معايير حزبية، يقول: لي اكثر من سنه اتابع ولا اعطولي شيئا، المديرية يحولنا للمحافظ والمحافظ مش موجود ولا قدرنا نقابله، عملت عملية في مستشفى النقيب في عدن باكثر من 200 ألف ريال.
يحتاج الشاب الاعزب إلى عملية ثانية، تكلف مبلغا باهظا يصعب على عاطل عن العمل مثله توفيره، ويكشف عن ممارسات من قبل امين عام المجلس المحلي في مديرية خنفر الذي ينتمي إلى حزب الإصلاح، وصلت الى درجة صرف تعويضات وبدل علاج ومساعدات غذائية حتى، وفق كشوفات حزبية.
الرازي يدار بـ 4 اطباء والقاعدة باعت اجهزته في البيضاء
هيئة مستشفى الرازي المرفق الصحي الوحيد الذي يقدم الخدمات الطبية للمرضى في محافظة ابين والذي تعرض للقصف ونهب معداته خلال الحرب بين الجيش وتنظيم القاعدة وتجري حاليا عملية إعادة تأهيله ببطء ناهيك عن المعضلة الكبيرة التي يواجهها المستشفى نتيجة افتقاره للكادر الطبي المتخصص.
يقول محمود هيثم رئيس نقابة المهن الطبية في مستشفى الرازي ان عدد الطاقم الطبي المتخصص لا يتجاوز 4 اطباء فقط، مؤكدا إن المستشفى تعرض لعملية نهب سرق خلالها جهاز اشعة مقطعية تجاوز قيمته 120مليون ريال تم بيعه لاحقا في محافظة البيضاء.
ويضيف هيثم: المستشفى يتسع لـ 240 سرير ويستقبل حالات مرضية من مختلف مديريات محافظة ابين والمحافظات المجاورة لكنه يفتقر الى الفريق الطبي المتخصص، بعد مغادرة البعثة الصينية نتيجة اقدام مواطنين على الاستيلاء على المبنى الذي كانت تتخذه سكنا لها، مطالبا بتعزيز المستشفى بطاقم طبي يستطيع تغطية الحالات المرضية التي تتدفق عل المستشفى يوميا.
ويشكو المرضى في مستشفى الرازي من عدم توفر النظافة الكافية ونقص الاطباء وتحملهم مبالغ باهضة مقابل تكاليف العلاج.
------------------------------------------
توجيهات وزير الكهرباء لم تنفذ في ابين
لم تعد انقطاعات التيار الكهربائي معظم ساعات اليوم عن مدن ومديريات محافظة ابين حدثا استثنائيا او مفاجئا للمواطنين،  فخلال الايام الماضية ازدادت حده  الانقطاعات بسبب خروج الشبكة الوطنية عن الخدمة نتيجة تعرضها لضربة في محافظة مارب، وهو ما زاد من معاناة المواطنين في محافظة ابين التي تعيش فصل صيف حار وخانق.
وبحسب المواطنين فقد بلغت انقطاعات الكهرباء خلال الايام الماضية حدا لا يطاق بعد مضي اكثر من 3 اشهر على صدور توجيهات من الجهات المعنية في وزارة الكهرباء والمؤسسة العامة للكهرباء في صنعاء، بإنهاء مشكلة الانقطاعات المتواصلة، عن طريق تشغيل 20 ميجاوات إضافية من الطاقة الكهربائية المستأجرة لمدينة جعار وضواحيها، ما لم فان المنطقة ستشهد صيفا كارثيا قادما.
م. حمود مكسين نائب مدير الكهرباء ابين قال للامناء: لدينا بحدود 9 ميجا لكن العاملة بحدود 2 ميجا لا تغطي الاحتياج،وسعينا لتوفير طاقة مشتراة لغرض تحقيق استقرار في الطاقة طالبنا بـ 20 ميجا لتغطية 70% من الاحتياج والباقي من الشبكة الوطنية، وحتى الان ننتظر نقل 10 ميجا من موقع  بئر ناصر في لحج، مؤكدا: نحن بحاجة الى الطاقة بصورة عاجلة، خصوصا بعد تدمير الدائرة الثانية التي كانت تربط مدينة جعار بالحسوة في عدن وهو ما ضاعف العبء علينا.
وحملت إدارة الكهرباء بمحافظة ابين، وزارة الكهرباء المسؤولية نتيجة لعدم تنفيذ توجيهات سابقة صدرت من الوزير ومدير عام مؤسسة الكهرباء بتزويد المحافظة بـ 20 ميجا وات من الطاقة المشتراة ، واعتماد مخصصات لقطع غيار وتاهيل محطة جعار التي تعمل منذ الثمانينات بطاقة 9 ميجا وات ويشكو القائمون عليها من تجاهل الوزارة للمذكرات المتكررة بضرورة تاهيل المحطة.
السيد يكشف للامناء تفاصيل عمل اللجان وعلاقتها بالدولة
" علي السيد" تحول هذا الاسم الى هوية لنا خلال تنقلنا في مدينة جعار، حيث يحظى الرجل الاول في قيادة اللجان الشعبية ببساطته باحترام الجميع ومهابتهم فمنذ الاتصال الاول لنا به على الرغم من عدم التنسيق المسبق رد السيد بالموافقة على مقابلتنا واستدعانا إلى منزله في منطقة المخزن المشرفة على مدينة جعار .
هناك في أحد المنازل المتواضعة وبعد التفتيش الدقيق من قبل 5 مسلحين شباب كان الشاب الثلاثيني المصاب ينتظرنا بقدم متورمة نتيجة إصابته في المعركة الاخيرة مع منشقين من اللجان تم استقطابهم من القاعدة في وادي دوفس، قال لنا انه للتو عاد للتو من مهمة ميدانية لفتح طريق زنجبار- جعار- عقب اقدام مجموعة من سائقي باصات الاجرة على قطع الخط، احتجاجا على البدء بتنفيذ مشروع سفلته.
مواصلا " ما صدقنا ان الدولة اخيرا وافقت على تصليح الخط، متسائلا يقوم يقطع طريق لانهم يصلحوه؟ مبينا لنا طبيعة بعض المشاكل التي تواجهها اللجان الشعبية وتقوم بحلها يوميا، الناس اصبحت ترفض اللجوء ترفض اللجوء الى الى أي جهة اخرى- الجهات الحكومية غير موجودة اصلا- وتقبل باي حلول تتخذها قيادة اللجان، ويشكو الرجل من قلة الدعم وعدم وفاء الحكومة للجان وغياب الدولة في المرافق الحكومية تحملنا العبء بشكل كامل نقوم بعمل كافة المرافق الدولة نتيجة لغياب المؤسسات حتى القضايا الفردية للمواطنين.
ويضيف السيد: منذ 8 اشهر نطالب بوجود النيابة وكذا القضاء ولم يستجب لنا احد، متسالا: لماذا لا تباشر النيابة والقضاء على الرغم ان ابين حاليا اكثر امان من صنعاء وعدن؟. لافتا إلى ان اللجان نواجه مشكلة كبيرة في التعامل مع القضايا الجنائية ولا يخص لنا احتجاز الناس لكن اين نذهب بهم ما فيش بحث ولا نيابة ولا محكمة، وبالنسبة لوجود معتقلين اكد تسليمهم للاجهزة الامنية بعدن مباشرة.
وبحسب السيد فان اكثر من 45 نقطة للجان الشعبية موزعة تبدأ من منطقة الكود الى باتيس وهناك نقاط متحركة وكمائن اكثر من الف فرد، يقول: تعبنا ولم نكن في حسابات الجهات المعنية وعدم الاهتمام والدعم اكبر دليل على ان الجهات المعنية تتعامل معنا كتهمة؟! يريدون ابين ان تبقى في الكوارث، مواصلا: وزارة الدفاع تقوم بصرف 30 الف ريال لكل فرد حتى الذخيرة لم تصرف لنا حتى الان لم يقوموا بترقيمنا ومتى وجدنا دولة تفرض وجودها نسلمها كل شيء ونذهب الى بيوتنا.
ويؤكد السيد ان اللجان تتحمل نفقات باهظة، يقول: نعمل بسيارتنا الخاصة والبترول المخصص لنا من وزارة الدفاع 20 الف لتر شهريا ، للمديريات الـ 7 ونتحمل الباقي من جيوبنا، حتى المحافظة وضعها اسوأ وتشكو اكثر منا ولا احد في وزارة المالية او غيرها يتجاوب ، مشخصا المشكلة: نحتاج الى زيادة الكادر المؤهل في اللجان الشعبية، لدينا مقاتلون فقط على الرغم اننا قمنا بصرف بطائق تعريفية لافراد اللجان الشعبية.
وحول الاشتباكات التي دارت مؤخرا مع منشقين من اللجان في منطقة باتيس، قال السيد: هذه كانت مجموعة تمارس البلطجة والسرقة من الفترة السابقة التي كانت فيها المنطقة تحت سيطرة الدولة، وبعدها دخلت مع القاعدة وظلت تقوم بالجباية، ثم عادو واشتركوا معنا ضد القاعدة فقدرنا لهم ذلك، لكنهم ظلوا مستمرين في البلطجة والتقطعات والقتل، فدخلنا معهم في صراع وعندما تاكدنا انه تم استقطابهم من قبل القاعدة، وانهم من وضعوا لنا اكثر من عبوة ناسفة اضطرينا للاشتباك معهم فقتلوا احد افرادنا وقتل 3 منهم وسلمنا البقية الذين تم اعتقالهم للسلطة.
كان السيد خلال حديثه معنا يبدو كمقاتل أرقته معارك الايام الأخيرة قال:  قدمنا اكثر من 100 قتيل في مديرية خنفر لوحدها، ونطالب الحكومة بالالتفات لابين بشكل عام، فالذي عانته المحافظة مش قليل، نطالب بعودة الامن على الاقل او عسكرتنا بشكل رسمي حتى لا نتحمل قضايا المواطنين.
صحيفة الامناء/ فبراير 2012م

تعليقات