تدمير وبسط ممنهج للآثار والمعالم التاريخية بعدن !!

كتب/ وائل القباطي


(ترييف) عدن ليس في مصلحة أحد .. تدمير وهدم مباني ومعالم أثرية وتأريخية، عُمرها ناهز قرن ونصف من الزمن، يحدث في عدن بصورة متعمدة، وببساطة خارقة للعقل والمنطق .. تدمير ممنهج ومنظم وغير عفوي ـ إطلاقاً ـ تتعرض له مباني ومعالم المدينة!.. تجاوزها (مؤخراً) ليطال السواحل والجبال .. والمقابر (أيضاً)!!
التدمير (وحده) سلطان يبسط نفوذه في عدن، حيثما وليت وجهك ثمة ما يدعو لأكثر من آه .. ألم وحزن .. معالم تأريخية لم تعد باليد، تحولت إلى خراب وأكوام أنقاض، وشوهت بالبناء العشوائي!!
الهدم ليس الأسلوب الوحيد والشائع في عملية طمس وتدمير المعالم الأثرية في عدن، ثمة طرق كثيرة تقود إلى النتيجة ذاتها، حيث تغلغل البناء العشوائي بشكل مخيف وملفت للانتباه في شوارع عدن وحواريها .. الجبال والسواحل هي الأخرى تعرضت لهجمة شرسة (محيط جبل صيرة أنموذجاً)، حيث عشرات الغرافات والآليات تنحت الجبل أسفل القلعة مباشرة.. وللأسف الشديد بعقود وتراخيص رسمية، يحدث هذا أيضاً أسفل جبل حديد، حيث تقع مدرسة أبناء السلاطين.. مبان عالية وأخرى عشوائية يعود بعضها لمسؤولين كبار في الدولة، أخذت لها حيزاً في المواقع التأريخية والآثرية في المدينة .. ثمة مساحات شاسعة كانت خالية إلى وقت قريب لكن البناء العشوائي التهمها بتواطؤ من السلطة المحلية، والأمنية بالمحافظة!!
إن واقع المعالم والآثار يضع الجميع أمام المسؤولية التأريخية التي تستدعي الوقف الفوري لكافة الأعمال في المواقع التأريخية, والإسراع بتفعيل النظم والقوانين الضابطة لأعمال الهدم والبناء للمواقع القديمة .. ونتيجة للوضع المأساوي الذي تعيشه عدن في هذا الجانب؛ كان لنا وقفة مع بعض المعالم التأريخية القديمة التي تضافرت كل عوامل العبث والتشويه لمعالم عدن؛ دون إدراك حجم الكارثة التي ستحيلها إلى إرث معطل.
  


(نافذ عسكري) يستولي على مدرسة (جبل حديد) ! 

تتعرض مدرسة (جبل حديد) في خورمكسر بعدن، التي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من مائة وخمسين عاما، تتعرض لعملية تدمير خطيرة بعد ان استولى أحد الضباط على المدرسة الواقعة أعلى قمة جبل حديد، وحولها إلى سكن خاص، في ظل صمت السلطات المحلية التي تغاضت عن عملية التشويه والاستحداثات في مبنى المدرسة التأريخي!
مدرسة (جبل حديد) الداخلية.. المدرسة الوحيدة لأبناء الحكام والسلاطين والشيوخ .. افتتحت سنة 1936, و تخرج فيها نحو 160 طالباً, معظمهم أصبحوا حكاماً في بلادهم ووزراء في الحكومات المتعاقبة في حكومة الاتحاد .. تم إضافة ما يسمى بـ (القمريات) على نوافذها!، وتحويل هذا المبنى التأريخي لأغراض شخصية بهدف تملكه, كونه يقع في موقع استراتيجي مهم يطل على كل مدينة عدن وشواطئها الجميلة ومينائها التاريخي .. بعد إغلاق المدرسة؛ كانت المنفى لـ (سعد زغلول), وكذلك المشفى ومكان النقاهة لـ (تشارلز ديجول)!!
قال الكاتب المعروف (نجيب يابلي): "إن هذه المدرسة ذكرت في الوثائق البريطانية ومذكرات سعد زغلول باشا وكانت منفى له أيام نفيه .. وإن المدرسة كانت تحصيناً دفاعياً في مواجهة البحر، وبعد ذلك حولت إلى مدرسة لأبناء السلاطين لكي يتعلموا فيها وتخرجوا فيها أجيالاً عديدة، ومنهم سلطان عمان (قابوس)".. منوهاً بأن "جماعة الإسلام السياسي نالت نصيب الأسد من الاستيلاء على هذا التراث" .. مطالباً "المجتمع المدني بتصعيد الاحتجاجات إذا لم تستجب الجهات المختصة، وتوقف تدمير المعالم التأريخية والأثرية بعدن".
وأضاف يابلي: "الآثار خط أحمر لا يجوز الاقتراب منها، لكن للأسف الشديد أصبحت أصوات المتنفذين والعابثين أقوى من المجلس المحلي، الذي كان يجب عليه أن يعترض على مثل تلك الأعمال التي تعبث بمعالم وآثار هذه المدينة، خصوصاً وأنهم من أبناء هذه المحافظة المنتخبين، وبالتالي عليهم أن يرفعوا أصواتهم للدفاع عنها!.. ومن خلال لقاءاتنا مع قيادة المحافظة؛ أستطيع القول إنه بالإمكان إحداث شيء إيجابي في هذا الشأن، خاصة إذا ارتفعت أصوات منظمات المجتمع المدني المطالبة بالحفاظ على آثار عدن ومعالمها، ووقف هذا العمل القبيح الذي تقوم به في جبل حديد".

الإهمال يواصل هدم ما تبقى من مدرسة (البادري)! 

منذ 4 أعوام هاجمت معاول الهدم مبنى مدرسة (البادري) التأريخية .. أقدم مدارس مدينة عدن، ونتيجة لوقوف منظمات المجتمع المدني والمجلس المحلي والمواطنين ورفض هدم مبنى المدرسة التأريخي والأثري، توقفت ـ لحظتها ـ أعمال الهدم، وغادر العمال المكان، ولكن ترك المبنى للإهمال الكفيل بتحويله إلى ركام وأنقاض ما لم يتم التدخل العاجل لإنقاذه!!
يعود تاريخ بناء المدرسة إلى أواخر القرن الـ 19.. ظلت المدرسة تحتضن الكثير من الطلاب الفقراء، والمولدين من جنسيات مختلفة، الذين لم يستطعوا الالتحاق بالمدارس في ذلك الوقت، بالإضافة إلى الطلاب الدارسين على نفقتهم الخاصة، وبدعم وإشراف من قبل السلطات البريطانية .. في عام 1970، قامت وزارة التربية والتعليم بإلحاق المدرسة وغيرها من المدارس الخاصة بالوزارة، فيما عرف حينها بتنظيم العمل التربوي .. لاحقاً خصص المبنى للإدارة العامة للامتحانات، وظل كذلك إلى ما بعد قيام الوحدة، حيث أغلق المبنى لعدم أهليته!!
انطبع اسم مدرسة (البادري) في ذاكرة الكثير من أبناء المدينة (فنانين، مثقفين وسياسيين) أيضاً، لكن حال المدرسة اليوم كغيرها من معالم المدينة التي تعرضت للإهمال طوال السنوات الماضية، في الرمق الأخير .. هناك خياران فقط أمام الجهات المعنية.. الأول: اعتماد مبالغ باهظة لترميم المدرسة بما يحافظ على طابعها الأثري والتأريخي، والثاني: تشليح المدرسة وهدمها، وهو الأسهل بالطبع، الذي تجيده الجهات الرسمية بامتياز!!
إعلان (عدن) محمية تأريخية !!
تضم مدينة عدن عدداً كبيراً من المعالم الأثرية والتأريخية، تمثل الحصيلة التي خرجت بها المدينة ذات الموقع الاستراتيجي، والميناء ذائع الصيت طوال قرون مضت من عمرها.. تعاقب على المدينة خلالها ملوك وسلاطين، غزاة ومستعمرون، رحالة وتجار من مختلف الأديان والجنسيات .. الجميع مروا من هذه المدينة، التي ظلت أبوابها مفتوحة على مصراعيها في وجه القادمين .. في عدن (فقط) تسمع عن: معبد الفرس، مقبرة اليهود، سوق البهرة، شارع الشريف، كنيسة الكاثوليك ومنزل رامبو .. أسماء لمعالم تعكس تحضر المدينة، تسامحها وتنوع سكانها.. ووقوع هذه المعالم تحت دائرة الإهمال أمر مسلم به في ظل النظام القائم، لكن ما تتعرض له هذه المعالم من هدم وتدمير وبناء عشوائي، جريمة بكل المعايير لا يبررها عقل أو منطق!! 
هُنا كان أقدم مستشفى في اليمن، أول مدرسة وأجمل شوارع الوطن العربي منتصف القرن الماضي .. هُنا كانت عدن: بأسواقها، حواريها، مقابرها، نواديها ومبانيها العريقة.. هل سيصبح كل ما سبق مجرد ذكرى عابرة؟ هل سيتكرر ما حدث مع مسجد (أبان) و(بوابة عدن).. وغيرها من المعالم التي أصبحت أثراً بعد عين؟ ما الذي ينتظره وزير الثقافة؟ لماذا لم تنفذ توجيهات رئيس الوزراء بشأن إعلان (عدن) محمية تأريخية؟!
إن ما يحدث في عدن أكثر من مجرد دليل قاطع على تبلد عقلية صناع القرار، إلى درجة عدم إدراكهم القيمة التأريخية والأثرية لهذه المعالم، التي تنفرد بها عدن دون سائر مدن الجزيرة العربية. 

(الحق العام لمدينة عدن) !!

من جانبها؛ طالبت د. أسمهان العلس، الأمين العام للجمعية اليمنية للتاريخ والآثار- عدن، بما أسمته "الحق العام لمدينة عدن، نتيجة لما تعرضت له المعالم والشواهد التأريخية والملامح الثقافية من تشويه، بالإضافة إلى إهدار الممتلكات والبنى العامة في المدينة، وهو ما أدى إلى ترييف مدينة عدن ـ حد قولها".
وعددت (العلس) جملة من الممارسات التي تعرضت لها المحافظة، منها: "عدم احترام خصوصية عدن القديمة مدينة كسمبوليتينية للتعايش السلمي الآمن لكل الأجناس والطوائف، وذلك بعدم صون شواهدها من معابد وكنائس ومدارس وشوارع وما اتصل بها، بل وتهديم بعضها وتحويلها إلى بقع خاصة، مثالاً على ذلك معبد اليهود بشارع الشيخ عبدالله وأماكن خاصة بالهندوس ومدرسة البادرى في كريتر والبناء الخاص في محيط كنيسة المدينة، وكذا التصرف الخاطئ بهضبة عدن بهدف الاستثمار دون الاكتراث بمضمون الدراسة التأريخية والبيئية المرفوعة من قبل متخصصين، التي نبهت من التصرف بهذه الهضبة وما يتعرض له محيط قلعة صيرة وصهاريج الطويلة، وهدم وإعادة بناء المساجد القديمة ذات البعد التأريخي الدال على دور عدن في الإسلام، وهدم وإعادة بناء المدارس القديمة التي تحمل دلالات تأريخية لأقدمية عدن في التعليم النظامي".
ولفتت (العلس) إلى أن "الهيكلية العامة والهيئة المتميزة لعدن بشكل عام، تم تغييرها وتناسي خصوصية عدن ومدنها، وعدم احترام خصوصية عدن وممارسة العبث بكل أشكاله بالشواهد التأريخية والطبيعية والمعالم والآثار التي تتميز بها عدن، كما تم هدم وإعادة بناء المساجد القديمة ذات البعد التأريخي، وكذا المدارس القديمة التي تحمل دلالات تأريخية لأقدمية عدن في التعليم النظامي وإهمال المعالم والآثار والشواهد الطبيعة، بالإضافة إلى انتشار العشوائيات في شوارع المدينة القديمة وجبالها وباعة الطرقات وفوضى الإعلانات، ولوحات المحلات التجارية بما يتنافى مع خصوصية المدينة التأريخية".

تعليقات